منتدى ابن امسيك للثقافة
انت غير مسجل
تفضل بالدخول او التسجيل معنا

منتدى ابن امسيك للثقافة

منتدى ابن امسيك للثقافة يرحب بكم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هل خرجت القصيدة إلى الشارع حقاً ؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد السلام دخان
مبدع جديد
مبدع جديد
avatar

عدد الرسائل : 19
نقاط : 17512
تاريخ التسجيل : 29/05/2009

مُساهمةموضوع: هل خرجت القصيدة إلى الشارع حقاً ؟   الثلاثاء أكتوبر 20, 2009 12:27 pm


هل خرجت القصيدة إلى الشارع حقاً ؟






د. فاضل سوداني /الدانمرك Fasoudani6@hotmail.com





تبدو مدينة الشاعر المغربي منير بولعيش حلماً كابوسيا له لأن فضاء طنجة مؤثث دائما بالشعر ، ولذلك كان الإنسان يبحر باعتبارها أمل ناء بالرغم من أنها كانت ملتبسة ثقافيا في الماضي وظلت هكذا حتى اللحظة ، وهذا واضح من ديوان الشاعر الأول: (لن أصدقك أيتها المدينة)*.

وطنجة عصية على الإستحواذ فهي لا تغفر لمن يسكنها أو يمر بها عابرا البحر ، إلا أن تجعله إما سمسارا سعيدا أو إنسانا كئيبا وواعيا يضل يبحث عن معنى لحياته فيها حتى الموت ، وخاصة أولئك الذين سكنوها لتحقيق مشروعهم الذاتي مثل الكتاب والشعراء والفنانين العالمين: بول بولز وجين بولز ودولاكروا وماتيس وصموئيل بيكيت وجان جينيه و جون هوبكنز و تنسي وليامز وغيرهم ، فكل الذين جاؤوا إلى طنجة كانوا يبحثون عن ذواتهم فيها، وحتى سكنتها الذين بحثوا عنها حتى آخر العمر مثل الكاتب الكبير محمد شكري أو الذين مازالوا من سكنتها ، فهم يحملون حبهم وكرههم لها في آن واحد .وبالرغم من هذا فإنهم يرددون ما قاله كفافي عن إيثاكا وهم يعنون طنجة بالتأكيد :((عندما تتهيأ للرحيل إلى ايثاكا /تمن أن يكون الطريق طويلا /حافلا بالمغامرات، عامرا بالمعرفة )) فالذي يبحث عنها إما أن يلعنها ويهرب منها إلى الأبد أو يضل ساكنا فيها حتى الرمق الأخير حيث تأسره بفضائها الأسطوري .

وبما أن منير بولعيش يعي جيدا ما كتبه الشاعر كونستانتين كفافي عن ارتباط الإنسان بالمدينة ويعي سبب ارتباط هؤلاء الكتاب والفنانين جميعا بطنجة ، ويعي جيداُ أيضا ما كان يضمره ابن مدينته محمد شكري الذي يحب أن يدعوه ب ( الكاتب الرجيم) من حب وكره في آن واحد لطنجة ، لهذا فإن منير بولعيش لا يمكن أن يصدق مدينة مثلها:



مَهْمَا صفَـتْ

طَوَايَاكِ

لَنْ أُصَدّقَكِ

أَيّـتهاَ المَدِينَة !!



إن الشاعر لا يمكنه أن يرى مدينته إلا كماض إبداعي تَشكلَ القسم الأكبر منه كحلم حققه بعض من شعراء الحياة المتمردين من الهيبيين وجيل البيتنكس و من الكتاب والشعراء الذين سكنوها واعتبروها واحدة من ثلاث عواصم مستقبلية لتمردهم الحياتي . وهو كشاعر يرى فيها أيضا حاضرا حلميا وأسطوريا وفضاء ضرورياً لشعرية القصيدة حيث مازالت طنجة تحلم من خلال شعراءها بماضيها بالرغم من حداثتها ، ومن خلال لقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي بعد أن يكونا قد انسابا عبر شواطئ العالم لتتنفس طنجة حريتها المستلبة دائما والتي كانت تزهو بها في الماضي عندما كانت مدينة دولية ، ولهذا فإنها تسلب حرية الكتاب والشعراء الذين سكنوها أو يزورونها الآن حالمين بماض يبدو حلماً ، ولكنها تأسرهم وتجعلهم يكتبون عنها فقط أو يرسمونها كما فعل دولاكروا وماتيس ومحمد شكري وبولز ومع هذا فهي مدينة لا يصدقها الشعراء .

ومن أجل إثبات هذا فان منير بولعيش قسم ديوانه إلى قسمين :

1ـ طنجة المدينة ...كارت بوسكال .

2ـ القصيدة خرجت للشارع .



فإذا كان القسم الأول من الديوان عن المدينة التي لا تعني سوى كارت بوستال لأي عابر يمر في ليلها، فإنها تعني المدينة ـ القصيدة في القسم الثاني ، لكنها قصيدة خرجت للشارع بكل حريتها ، خرجت منذ زمن الحرية وبعد ذلك الزمن الإستثنائي الذي حلم به الهيبيين والثوريين المتمردين في الستينات .

فهي مدينة وقصيدة ودخان وشعر وموج عاصف ورياح شرقية ونساء جميلات في أزقة أسطورية وآثار قديمة وشعراء وكتاب وفنانين ، لا يمكن أن يقبضوا على أزمنتهم إلا في طنجة الخيانة كما يسميها جان جينيه .

وعندما تفلت المدينة من ذاتها وزمنها ومن شعراء الحياة الذين مجدوا عنفوانها مثل بول بولز وشكري وألن غيسبرغ والعربي اليعقوبي وغيرهم من الذين تحولوا إلى صور للحالمين ألصقها الشاعر على جدران غرفته المعلقة فوق السطح والمبعثرة والمملوءة بأشيائه الشعرية ،تلك الكوة التي يطل منها على مدينته فلا يرى البحر فيها وإنما كتل حجرية وصفيح وصور السماسرة معلقة على جدران عماراتهم الشاهقة التي تمنع أن يتنفس الناس هواء نقياً .عندها لا يصبح هنالك أي أهمية لأي شيء سوى لفستان قرمزي رمزا للحبيبة المتخيلة أو لأشيائها الثمينة ،أو الثرثرة والضحك الصاخب رمزا للإنسان المتشيء. هكذا يختزل بولعيش الحلم ويتحول لديه إلى رموز مؤسلبة .

ففي قصيدة نوستولجيا وهي تسمية تحمل نقيضها ، إذ يؤكد الشاعر فيها على غياب المدينة في وعيه بعد أن انشغل بأشيائه، عندها لا يصبح للنوستولجيا أي معنى ، فلم يعد الحلم هو الذي يؤسس فضاءه في مدينة ملعونة ، ولم يعد رفاق الحلم ذاك من الذين ذكرهم الشاعر يحرسون أسوار طنجة البالية ولم يعد شعرهم يوقظ المشردين من نومهم ، لم يعودوا هم المدينة ،لذا على الشاعر وحبيبته أن يدعا هذه النوستولجيا لأنها لم تعد حدثا مهما كما كان في الماضي ، بل الإلتفات لفستان الحبيبة القرمزي والضحكة البيضاء الباردة لأنهما الأكثر أهمية و هما كل ما تبقى رمزا للإنسان وأشياءه .

وكل ما كان يشكل حلما اندثر منذ عصور بائدة وطنجة لا تدمن الدمع على ماضيها ولا تنشغل بالحنين الذي يثيره ألبوم الذكريات لأن غريزة الشاعر الذئبية هي الأكثر توهجا الآن مادام الفستان القرمزي أهم حدث في هذا اليوم /العصر ، فالحياة هي الأكثر متعة مادمنا نعرف كيف نتذوقها.

((وَ طَنْجَة ـ عَلَى العُمُومِ ـ لا تُدْمِنُ الدّمْعَ عَلَى الأَطْلالِ / وَ لا الحَنِينَ أَمَامَ أُلْبُومِ الذّكْرَيَاتْ /فَكفّي عَنْ هَذَا الكلامِ المُكرّرِ /إنّهُ يُعَمّقُ وَجَعِي /وَ احْتَرِمِي صَرْخَةَ الذئبِ /فِي جَسَدِي .../وَ تَيقـنِي: فُـسْـتَانُكِ القُرْمُزِيّ أهَمّ حَدَثٍ فِي هَذَا اليَوْمْ !! ))

والذي يملك مفتاح هذه المدينة هو الشاعر المتمرد فقط الذي لا يصدق المدينة وفي ذات الوقت لا أحد يصدقه ، بالرغم من أنه وحده رأى المدينة كما لم يرها احد من قبله لأنه الرائي الذي رمى بالأبدية في بحر أشقار في طنجة ، وهو الذي جعل السماء واطئة حتى يوقف الدم في الساحة العمومية وغنى قصيدته لدرجة أنها هددت أسوار طنجة وماضيها ، لذا فإن الشاعر الذي وجد مشنوقا على بوابات المدينة وحده يملك مفتاحها ومع هذا لم يصدقه أحد .

وعندما يكتب بولعيش عن اليومي في مدينة البحر الأسطورية ، يرى بأن العالم يتقاسمه رجلان مجرم حرب وغنيّها ، أما شاعرها فهو الذي يمتلك مفتاح المدينة بالرغم من أنه لا يصدقها/لا تصدقه ، فيفضل أن يمنحها أنشودة المطر ليجعلها أكثر خصباً. فإذا كان الشتاء يُغرق المدينة بألاعيب السماسرة والخرافة مما يجعلها قاحلة فتفقد بكارتها ، فإن أنشودة المطر تجعل من حاضرها ومستقبلها أكثر غنى بل تعيد لها مجدها ، والشاعر الهيبي ـ والرجيم أو الملعون ـ الرائي ـ الذي شنق نفسه أمام البوابات المشرعة ، كان يخفي مفتاح المدينة وبحرها في قلبه . ففي زمن القحط وزمن الأخطاء نست المدينة مجانينها من الشعراء الذين مروا بذاكرتها كعشاق للورود ، ولكن الشاعر الذي راهن أمام البحر على أن مطر السياب هو أكثر خصبا ، سيصرخ في وسط المدينة بأن العالم يقتسمه رجلان هكذا منذ الأزل. ولهذا فإن المدينة سيتقاسمها الظلام والضوء الأسطوري الساطع الذي دفع بالفنانين دولاكروا وماتيس أن يبحثا عنه .



((دولاكُورْوَا /أيّهَا التـّعِــسُ/أَجِئتَ تَـبْحَثُ عَنِ الضّوْءِ/فِي مَدِينَةٍ /كُلّ مَا فِيهَا /يُهَدّدُ بِِالسّوَاد (( !!

فالشاعر الذي لا يصدقه أحد لا يرى سوى كثافة الظلام فقط في السوق الداخلي في طنجة ، لذا يترك جثته في أحد الأزقة ويغيب في ظلام الهاوية ، فمدينة الشاعر تتزاحم دائما بين الممسوسين والسماسرة وأدعياء الوعي مما يشكل قلقا دائما له.

وإذا تقاسم العالم من قبل مجرم حرب وغنيها أو من الظلام والضوء ، فإن المدينة يتقاسمها أيضا الملاك والشيطان ، والشاعر فيها لابد أن يكون هو الرجيم حتى وإن رفضها :

(( أَنْتِ فِي الوَاقِعِ /لَسْتِ الملاكَ الّذِي /يَحِقّ لَهُ أَنْ يُوبِّخَ /الأَبَالِسَةَ /وَأَناَ لَسْتُ ذَاكَ الرّجِيمَ مَنْ تَشتمِينْ /رُغْمَ زَنْقةِ الشّيَاطِين... /وَرُغْمَ أنّ قَصَائِدِي /لا تُبَارِكُ سِوَى المُنشقـينَ.... /وَ مَنْ تَخَطّى الأَسْيِجَةَ /بِنَصّ جَدِيدْ !! ))

فالشاعر بولعيش يعي بان الشعر ملعون والشاعر رجيم وعندما مات شاعر مدينته الذي كان يخبأ مفتاحها قال له نخبك أيها الرجيم لآن القصيدة خرجت إلى الشارع :

(( رِيحُ الشّرْقِي.../قَوَافِلُ الهَيبِيّينَ... /أََسْرَابُ البيتـنِكس... /الغَجَرُ...القراصنة /...الجَوَاسِيسُ.../كُلّ السّفُنِ... /كُلّ السّنَنِ... /مَرّتْ مِنْ هُنَا /ذَاتَ صَيْفٍ عَابِرٍ /وَ أَنْتَ /بِبَارِ البَرِيدِ ثَابِتٌ /وَ كَأسُكَ فِي المُحَالْ

ــ شُكرِي نَخْبُكَ أَيّهَا الرّجِيمْ !! ))



في قصيدة ( الشاعر) في القسم الثاني من الديوان يحدد منير بولعيش موقفه كشاعر معاصر من المدينة والشعر خاصة عندما تكون المدينة هي منفاه ، ويشكل الشاعر منفى لمدينته وشعره في ذات الوقت :



((الشّاعر الذي أنفق ثلاثين سنةً و هْو يصرخ بالسّفن من فوق رصيف الميناء:(أريد أن أخرج من هذا الغيتو)، تفاجأ أنّ (le journal de tanger) لم يتحدّث عنه هذا الأسبوع، لكنّه فرح ـ كالعادة ـ بصفحة الأبراج (برج الحريّة تحديداً) الذي ظلّ لعُمْرٍ كاملٍ يهْمسُ له:( إنـّـك... في صُـلْب المغامرة هذا اليوم !!) ))



(( الشّاعر /الذي أدْركَ /قمّة الجَبل الكبِير /أَدْركَـــــــتـْـــــــهُ

ال

هَـ

ا

ِو

يَ

ة !!





(( الشّاعر الذي انتهى تمثالا في متحف الشّّمع، خذلته قرون الإستشعار في الاهتداء إلى الرّباط السّحريّ الذي يصل الزّنقات بالزّنقات، الشّوارع بالشّوارع، الحانات بالشّعراء، المقاهي بالكسالى، و الأمّهات بمزار القدّيس سيدي المَصْمُودِي، حيث أُشعلُ الشّموع ـ كلّ يوم ـ و أُصلّي لأجْـل الشّاعر الذي انتهى... /انتهى تِمثالَ شمْعٍ !! ))

وحقا فان هذا الشاعر الذي يبحث في الأبراج عن حريته لابد أن ينتهي إلى تمثالا من الشمع،وهنا تبرز سخرية الشاعر وقسوته إزاء معاصريه من المثقفين عموما ، وخوفا من أن يتقمص الجاهل دور الشاعر وهو يهش الذباب في المطعم البلدي. وبالتأكيد فان هذا هو أحد الأسباب التي تؤدي به للشعور بأنه يغرق في الضفة الأخرى من الحافة بالرغم من أنه المهاجر السري الأخير و أنه الوارث الوحيد لسر الرحيل .

ومرة أخرى يؤكد بولعيش في ديوانه على الشاعر الرجيم وعلى الشعر الذي يؤرخ لمستقبل المدينة أو يعمد إلى إلغائها . والكثير من قصائد الديوان تشير إلى أن القصيدة أحيانا هي تأريخ للمدينة ، ولكن هنا يتحول التاريخ إلى حلم مادام الشاعر يكتب عن مدينته ذلك الحلم المتخيل . والشاعر بالنسبة إلى بولعيش لا يؤسس وجوده الشعري إلا إذا كتب مدينته وهام في أدغال المدن (الأحلام ) الأخرى وهو يحمل في قلبه القصيدة والأغنية والحبيبة ـ الحلم التي يجب أن يدافع عنها من طواحين الهواء،

فيخاف عليها من أن ترفع ريح الشرقي تنورتها فوق مستوى الرغبات وعلى مرأى المدينة الفضولية .

فالشعر بالنسبة له هو أغنية أو تميمة لا يكشف عن أسرارها لأنه في موطن القلب بالرغم من أن القصيدة قد خرجت لتعانق الشارع . وبالتأكيد فان هذا الخروج يمنح الشاعر رؤى جديدة ويجعله رائيا أكثر من أي وقت آخر، لهذا فانه يرى الأشياء على حقيقتها وتناقضاتها ـ يرى سيدي بوعراقية وفلاسفة برودونيون ويرى من الصعوبة على طنجة أن تدخل العالم الآخر بدون السوق الداخلي الذي أصبح يتنور على صفحات الويب و كيف أصبحت المدينة أكثر حداثة بعد أن تناست ماضيها و أصبح الشاعر فيها يخاف على حلمه من أن يتحول إلى مدينة من صفيح :

(( لم أكن رائيا كما اليوم... /استيقظت باكرا و لم أبالِِ... /رأيت:

1 ـ سيّدي بوعرّاقية /يطوف بمبخرة الباروك /على رؤوس الفقراء.

2 ـ بْرُودُونِيّونَ /يتمترسون /في كومونة مقهى باريس /و يجهزون بالمدفعيّة الثّقيلة على شوارعَ /تتأفّف من قمصان البيتنكس العطنة.

3 ـ طنجة تدخل العالم الحرّ /من الأبواب الخلفيّة و تخسر expo 2012

4 ـ السّوق الدّاخلي يتـنوّر /على صفحات الويب /و نوافذ الماسنجر.

5 ـ محمّد شكري /يلمّ فتات الخبز الحافي /من مطبخ الماكدونالد.

.......................

.......................

لم أكن رائيا كمااليوم.../لم أكن أعمى كما اليوم.../رأيت الكثير.../الكثير و لم أبال!!))



في مدينة مثل طنجة يمتلك مشرديها ومجانينها عالمهم وهذياناتهم الخاصة وكأنه هذيان الشعراء ، والمدينة بالنسبة لهم جميعا تشكل وجودا ديناميكيا في لاوعيهم ، بالرغم من أن الشاعر يقيم فيها مغتربا ومنفيا ومجبرا ، ومثل هذا الشاعر لابد أن يرى بان العالم بحاجة إلى فارس يتخيل المثال ويدافع عنه حتى وان كان وهما وخيال فارس مثل دون كيخوت ، والشاعر لابد أن يتمناها معه حتى يستطيعان أن يوقفا ( هذا الجنون ، طواحين الدم ) فهما ليسا شاهدا زور والشاعر بالذات لايمكن أن يشترك بصنع هذا اليباب الذي تصاب به المدن الخائنة بل العالم أجمع ، فهو لا شأن له بهذا الجنون لأنه الشاعر اللاجئ في مدينة الحياد والذي يملك مفاتيح المدن ، ولكنه مازال ينتظر الحمامة التي أطلقها نوح للبحث عن الإنسان ألإنسان وعن ألأرض الأرض حتى يمكن له أن يعيش الحياة ويتذوقها ، ولكنه الآن كالغريق يرقب أيضا سواحل الخلاص من بعيد . وعندما تعود الحمامة التي إنتظرها طويلا وهي تحمل عشبة الحياة سيتفجر سؤال في داخله :

(( ضَائعٌ مُِنذُ سُيولٍ /فَوقَ سَواحِل الغَرقِ /أَرْقبُ برق الخَلاصِ /وَ أفجّرُ هَذَا السّؤال: طَنْجَة.../ أ مِنْ هُنا الطّينُ جَاءَ... / أمْ مِنْ هُنَا ابتَدأ الطّوفَان ؟ ! ((

وبالرغم من إن بولعيش في ديوانه هذا يرفض المدينة المزيفة والشاعر المزيف إلا أنه يماهي بين المدينة الحلم وبين الحبيبة التي تزوره في أحلامه ، وبالرغم من أنه غير متيقن من الحب إلا أن وجهها يشكل قمرا يضيء أسوار طنجة ولياليها في السوق البراني فتمتزج المدينة برائحة بحرها ، لكن القمر المدمى هذا سرعان ما ينزوي فجراً في كهف هرقل الذي قالت الأسطورة بأنه استراح مرة في شواطئ طنجة ، و بالرغم من أن طنجة محفل للغبار إلا أن حاناتها معطرة بالعنبر .

(( الرَّافِضَةُ... /مَنْ تَسْكُنُ حَلَقَاتِ المَارِيجْوَانَا... /تغَنّي مَعَ البِـيـتِـلزْ... /وَ تَخْرُجُ إِلَى سَاحَةِ الأمم/في مُظَاهَرَاتِ ATTACK /ضِدَّ العَوْلمَةِ و حَرْبِ العِرَاقْ.. /مَنْ تَعْقِصُ شَعْرَهَا /ذَيْلَ طَاوُوسٍ /وَ تَزْعُمُ الإِنْتِسَابَ الأَبَدِيّ /إِلَى جِيلِ 68

ـ هَلْ تُحِبّنِي... !؟

الرَّافِضَةُ... ))

وفي شعر بولعيش ليس في هذا الديوان فحسب نلمس روح الستينيات ومظاهرات 68 لأنه لا يصدق المدينة إلا إذا تمردت على زمنها وأجيالها ، حيث يتراءى له أؤلئك الرافضون من الكتاب والشعراء العالميين الذين مروا بها كملائكة يحلمون بتغيير العالم . لذا لا يمل منير بولعيش وهو جالس يدخن ويحتسي قهوته في مقهى السنترال في السوق الداخلي من انتظار إطلالة ذلك الشاعر ـ الهيبي المتمرد من شرفة فندقه الرخيص وغليونه بين شفتيه ، يطل بلحيته الكثة وملابسه المهترئة، أو على الأقل لابد أن يتراءى له أمام مدافع سور المعكازين أو وهو يترنح في زنقة الشياطين ،غير أن الشاعر يعلم جيدا بأن مثل هذا الشاعر قد شنق نفسه منذ زمن سحيق أمام بحر أشقار وهو الآن يرقد في مقبرة بوعّراقية ملوحا بمفتاح طنجة . وبالرغم من هذا فإن شاعرنا يبحث عن حلمه في المدينة ـ المنفى الكبير التي استراح أو نفي فيها هيراقليس عاكفا في مغارته حالما بتغيير العالم وسط العاصفة الليلية و في غياهب منفى الطنجاوي المؤبّد :

(( طَنجيس: منفى كبير /و هذا البحر جبانة /فلنسترح من الإلياذة هيراقليس /و لنلعب الورق: /العالم يغير سلمه الطبقي/ و أنت من هذه المغارة/ تحلم بتغيير العالم !! ((

وأي مدينة تنفي الشاعر تتحول إلى غيتو مرعب .

وفي القسم الثاني من الديوان ـ القصيدة خرجت للشارع ـ يرى الشاعر منير بولعيش واقع الحال الذي كان يحلم به وأمل أن يغيره بالقصيدة والأغنية والحب والأحلام ، يراه على حقيقته وهو في محاولة للدخول إلى الحداثة الصفيحية، فيصبح كل شئ تقليدا مزيفا ،لأنه واقع يتميز بكل زيفه وأقنعته ، فالطريق إلى الحقيقة لا يشبه الفج السالك إلى قاع المدينة ، لأنه طريق مفخخ باليقين ، ولا يشبه حتى الطريق المؤدي إلى مابين فخذي امرأة مزيفة تبهر العالم بخصيتين نحاسيتين وشعر مستعار.

وهاهو الشاعر يسخر بمرارة من عالم الحقيقة المزيفة ، وبما أن كل الأشياء مزيفة فهو عالم من رمل ،وما يصدمه وأحلامه ورؤاه هو أن الشاعر المتمرد ذلك الصديق القديم الذي حلم بتغيير العالم ، قد غيره العالم بروية وهدوء فأفسده وهاهو ساكن بكل خذلان : ((في الطابور الرابع /عند الأسوار العالية للقنصلية الأسبانية)) طامعا في الحصول على تأشيرة الخروج، فيرثي حاله ولا يعرف بماذا يحلم من جديد ، لأن حلمه الذي أيقظ الشرارة الأولى في داخله انطفأ، وحتى وإن حلم من جديد فإنه هو بالذات لا يصدق حلمه لأن شمس الحقيقة عمودية والعالم سفينة مثقوبة سرعان ما تغرق ،وكأنه يردد مع كفافي :((سترجع إلى هذه المدينة /فطلق حلم الذهاب إلى مكان آخر /ما من سفينة تقلك.

ما من سبيل. /فإذا كنت قد خربت حياتك /في هذا الركن الصغير من العالم /فهي خراب لك أينما حللت.))

ولكن مازال الحلم يؤشر إلى الشاعر أن يكشف المدينة لأنه يحمل طنجة كدملة في قلبه ، فيأمره للوقوف في موقف الحق بمزار بوعراقية وفي موقف الحافلات الخضراء وموقف الخادمات في شارع فاس وموقف البغايا المقدسات في بورديل المدينة ، ولكن بما أن هذه المواقف مازالت من معالم المدينة القديمة لأن طنجة الحاضرة تغيرت لأسباب تجارية، فجميع معالمها التي ارتبطت بأهم الأحداث الحياتية والثقافية كمقاهيها وحاناتها والكثير من أزقتها انمحت تقريبا أو خضعت للتحديث ، وأصبحت معالم مزيفة الآن لذا لا تستحق سوى قبلة سوداء من لدن الشاعر ،والعالم أصبح هواءه فاسدا وكل هذا يمنعه من أن يكتب قصيدة الحرية من أجل أن تخرج إلى الشارع لتهدر كصرخة غضب .

وبما أن القصيدة تعني الشاعر المتمرد ـ الغاضب لهذا فإنها تتحول إلى طوفان، لكنها قصيدة يفهمها بائع الملابس الرثة من المهمشين وبائع التبغ المهرب الذي يقف دائما أمام مقهى باريس في طنجة ساخرا من السماسرة ، ويفهمها نادل المقهى، وسكان زنقة الشياطين وبائعوا الزيتون والخضروات والخبز الساخن في السوق البراني، فهل يتحقق حلم الشاعر وتمرده وثورته بالشعر والقصيدة التي ينشدها فقط ؟:

((القصيدة قد خرجت إلى الشارع /فمن سيوقف هذا الطوفان !؟/ من يوقفني !؟ /القصيدة التي خرجت إلى شارع باستور /كم تشبهني /أنا الذئب /الذي يقتات على الجثث المتحلّلة.

...............................................

...............................................

القصيدة التي تشبهني… /القصيدة التي تشبه محراث جوزي بوفيه/القصيدة التي تخرج إلى الشارع.../القصيدة التي تسكن في الشارع... /القصيدة التي... /القصيدة التي خرجت إلى شارع الحرية /خرجت و لم تعد !! ))

فالقصيدة البصرية تتحول إلى حرية وتخرج من سجنها لتهدر في فضائها الواسع.

إن منير بولعيش مقل في كتابة الشعر لأنه يشكل لديه عذابا حقيقيا ، فهو يتأمل ويهم أن يبدأ القصيدة ولكن ...يهم أن تلهمه المدينة ولكن ... يهم ولكن ... وعندما يكتب قصيدته يعرف كيف ينتقي مفرداتها .

ويعمد دائما إلى تناول اليومي في مدينته الحلم ـ الكابوس ، لكن هذا الواقع اليومي مؤول بالماضي ـ والحلم والشعر الذي تكمن الأسطورة بين ثناياه، أنه يومي لكنه أسطورة تتحرك في أزقة طنجة والمدن المغربية الأخرى .

و نستطيع أن نستنتج بان قصيدة الشاعر منير بولعيش تتميز بكثافتها وأسلبة مفرداتها بالرغم من أنها توحي بتأويل ومعنى غني فيه الكثير من الشمولية، ولكن أحيانا تفقد بعض القصائد تأويلها عندما يستخدم الكلمات المباشرة متعمدا مثل (السياسة ، مابعد الحداثة ، السلم الطبقي ، العام والخاص) وتسميات أخرى ، وبالرغم من هذا فان منير بولعيش يعتبر شاعرا في طليعة جيل الشعراء المغاربة الشباب .



ـــــــــ

منير بولعيش ـ لن أصدقك أيتها المدينة ـ شعر. مطبعة سليكي إخوان. طنجة . المغرب .

ورسمة الغلاف للفنان المغربي ـ البلجيكي حمزه الحلوبي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
هل خرجت القصيدة إلى الشارع حقاً ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ابن امسيك للثقافة :: دراسات أدبية-
انتقل الى: