منتدى ابن امسيك للثقافة
انت غير مسجل
تفضل بالدخول او التسجيل معنا

منتدى ابن امسيك للثقافة

منتدى ابن امسيك للثقافة يرحب بكم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ثورة ضد استلذاذ المهانة د.عبد الرحمان غانمي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نادي القلم المغربي
مبدع نشيط
مبدع نشيط
avatar

عدد الرسائل : 30
نقاط : 15790
تاريخ التسجيل : 14/03/2010

مُساهمةموضوع: ثورة ضد استلذاذ المهانة د.عبد الرحمان غانمي   الجمعة فبراير 11, 2011 3:13 pm

ثورة ضد استلذاذ المهانة

سيرة ثورة مصرية شعبية عمادها الشباب


نهاية الشهر الأول من السنة الجديدة اندلعت ثورة شعبية مصرية، لم تكن على البال ولا في حسبان وحسابات أمهر الأجهزة الاستخباراتية العالمية، خصوصا تلك التي لا تنام على مراقبة كل هسهسات المنطقة العربية الإسلامية، وأساسا الأمريكية و الصهيونية، وبعيدا عن تلك الأوصاف السياسية والإعلامية التي يحكمها تضارب المصالح وحدتها، أي أنها أوصاف لا تنظر إلى جوهر ما يحدث من أحداث على الأرض وأبعادها و إنما تعكس المواقف منها، بصرف النظر عن طبيعتها، من معاد إلى مناصر ومحايد- فإسرائيل تصفها ب«القلاقل»
و أمريكا ب «الاحتجاجات» و «الاضطرابات» وكذلك الشأن بالنسبة لدول غربية ووسائل إعلامية عربية وأجنبية، وهي نفس الدول والمؤسسات التي تتسابق، بإطلاق عناوين لافتة
ومثيرة على ما يحدث في بلدان أخرى، ومن قبل جهات بعينها مثل ثورات الأرز والقرنفل،
والليمون وبصمها بالثورة الديمقراطي كما جرى في لبنان و إيران و دول أوربا الشرقية،
و تلك التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي.
بمنأى عن كل هذه الأوصاف التي لها محدداتها الإيديولوجية، فإن مصر عرفت ثورة حقيقية بكل المقاييس، طالبت بإسقاط النظام وعلى رأس ذلك رئيسه، و بذلك فهي لم تسقط من فراغ، ولم تمطر من السماء، حتى و إن بدت مفاجئة لأغلب المتتبعين من دول و مخابرات و أجهزة و مؤسسات إعلامية و سياسية، و مثقفين، مثلما أنها في اعتقادنا، ليست ثورة شبابية للشباب و إنما هي ثورة مصرية شعبية داخلية عمادها و قوامها و محركها الشباب، و هذا ما ينسجم مع المقاربات السوسيولوجية التي ترى في الشباب قوة متحركة ومحركة رئيسة للتغيير والتحول، لأن هذه الثورة لا تسعى إلى تحقيق مآرب و مطالب فئوية ضيقة و صرفة تمس مصالح هذه الشريحة أو تلك و إنما أهدافها وغاياتها تتخطى هذا المستوى، إذ تسعى إلى إعادة الاعتبار لمصر من خلال التموقع استراتيجيا وفق رؤية تحدد مستقبلها ومستقبل أبنائها وأجيالها حسب متطلبات الكرامة والقيم التاريخية لهذا البلد.
وعليه من المفيد هنا، الوقوف عند أهم الأسباب التي كانت وراء هذه «الثورة» هل هي، طارئة أو كانت كامنة، وما هي أبعادها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية؟ وما هي حدودها وطموحاتها؟ هل لها دوافع داخلية أو خارجية أو هما معا؟
من المؤكد أن كثيرا من العوامل تضافرت في ما بينها، قبل أن تنفجر في وجه النظام المصري، و يهمنا هنا التركيز على تلك المتماسة مع المحيط الجيو استراتيجي لمصر، لما للجغرافيا السياسية والتاريخ والهوية والانتماء من آثار على الأحداث بكل دينامياتها وتحولاتها، وهي معطيات لا يمكن مجاوزتها علما بأن تاريخ مصر الحديث، حتى و إن كان يبدو راكدا ظاهريا، فإنه لم يفتر أبدا، ففي كل مرة كان يأخذ شكلا ما أو حدثا دالا حتى وإن كان يبدو محدودا، علما بأن مصر في تاريخها المعاصر في كل أقل من نصف قرن أو ينيف عنه، تعرف حدثا تاريخيا مؤثرا في ما بعده، و في مجرى المعطيات السياسية و الحاسمة، وإذا أردنا استكناه أهم وأبرز الأحداث التي شكلت الخميرة الضرورية لهذه الثورة، في ترابط
و تراكب و تراكم عميق خفي وظاهر في ما بينها، فإنه يمكن القول، إنها تتجلى في جملة من الأسباب، تحسستها أجيال مصر في العقود الأخيرة، التي أغلبها لم يعش ثورة الضباط الأحرار تحت زعامة جمال عبد الناصر سنة 1952، الحاضر رمزيا بقوة في هذه الثورة الجديدة، ولا العدوان الثلاثي سنة 1956، من قبل إسرائيل و فرنسا وبريطانيا، عقب اتخاذ بعض القرارات التحررية مثل تأميم قناة السويس، وهو ما أزعج القوى الاستعمارية وهدد نفوذها في المنطقة، وأذن بدخول مصر إلى مرحلة جديدة مستعدة فيها أن تلعب أدوارها المنوطة بها تاريخيا، التي فقدتها نتيجة التضعضع الحضاري وتكالب الدول الاستعمارية، ولا انتكاسة 1967 بعد العدوان الصهيوني المفاجئ على مصر، ولا حرب أكتوبر سنة 1973، التي أبانت عن إمكانية تفوق العقل العربي عسكريا وتكتيكيا وميدانيا. في كل ذلك لم تفقد مصر كرامتها وعزتها ودورها الاستراتيجي في المنطقة وعالميا رغم كل الخيبات والإحباطات، وهو الذي لن يتأتى لها بعد ذلك، إلا بعد انفجار هذه الثورة الشعبية الجديدة، التي أدت إلى انهيار النظام وعجزه التام في السيطرة على الأوضاع بمصر، وهي الثورة التي قادتها أجيال عاشت المرارة والذل ورأت حروبا طاحنة في المنطقة(الحرب الأولى في مطلع التسعينيات ضد العراق والحصار ضده، والحرب ضد أفغانستان، والحرب الثانية ضد العراق 2003، والحرب ضد لبنان 2006، والحرب ضد غزة 2008 وتقسيم السودان العمق الاستراتيجي لمصر...) وكلها حروب شنتها منظومة واحدة (أمريكا، إسرائيل، وبعض الدول الغربية) وهي الجهات الوثيقة الصلة بالنظام المصري.
اتفاقية كامپ ديڨيد و الانسحاب المصري المفجع من معادلة الوجود
أولا: لم تكتف هذه الاتفاقية التي وقعت سنة 1978 بين إسرائيل ومصر برعاية أمريكية بتحييد مصر عن أدوارها العربية والقومية وما يخدم أيضا أمنها القومي وإنما حولتها من دولة محورية في الأمن الإقليمي إلى دولة مكبلة ومقيدة بأكثر من قيد، مسيرة ومستنزفة عبر الانخراط الكلي في المشروع الأمريكي الصهيوني، وما قتل السادات إلا نتيجة لهذه الاتفاقية، وقد كانت بمثابة إنذار صريح للنظام على رفض المصريين لهذه الاتفاقية، وهو ما لم يذعن
له بل عاشت مصر ثلاثة عقود شاذة قوامها القمع و التنكيل بالمواطن و مصادرة الحريات وتقديس قوانين الطوارئ. والانصياع الكامل، بنوع من المتعة المازوخية، إلى كل الاتفاقيات الأمنية
والعسكرية والاستخبارية و الاقتصادية المعقودة، والتي أنجزت بين النظام المصري و الكيان الصهيوني و الولايات المتحدة الأمريكية، والأكثر من ذلك التكفل بتنفيذ كل ما يطلب منه، مقابل أن يستأسد على شعبه ويكون جبانا طيعا أمام مروضيه، وكذا الاستحواذ على المال،
و تسويغ التوريث تحت الحماية الأجنبية وتأييد الحاكم.
تداعي الأمم الاستعمارية على العراق
ثانيا:لا نريد هنا أن نقف عند حرب أمريكا ومعها أزيد من ثلاثين دولة على العراق، والتي كانت تروم السيطرة على العالم وصياغة النظام العالمي الجديد تبعا للموقع الجديد المأمول أن تحتله الإمبراطورية العالمية الجديدة –أمريكا، وإنما نود الإشارة إلى الأدوار القذرة التي قادها النظام المصري وأشرف على تنفيذها قبل وأثناء و بعد ضرب العراق وغزوه واحتلاله بعد ذلك، بدءا بعقد قمة عربية بمصر كان غرضها تقديم غطاء عربي للجيوش الأجنبية وقواعدها وحروبها في المنطقة العربية، وشن حرب وحشية وبربرية على العراق، وهذا ما كان، ضدا على قوانين الجامعة العربية، التي تلزم الدول العربية باتخاذ القرارات بالإجماع، وإذا كانت القمة العربية في العراق بعد عقد اتفاقية كامپ ديڨيد أعلنت رفضها القاطع لهذه الاتفاقية، فإن قمة مصر المشار إليها، كانت إيذانا بتكريس مخطط استعماري جديد، وبذلك تم السطو على الجامعة العربية، على علاتها،و إضفاء« المشروعية» على الحرب ضد العراق، تحت مظلة «احتلال» العراق للكويت ورفض إيجاد حل تحت الخيمة العربية، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه أمام التدويل للاستعمار الجديد من خلال تدويل النزاع، فهل يسوغ نزاع ما بين جارين، أو احتلال محدود استراتيجيا فتح الأبواب أمام كل احتلالات الدنيا.
اتفاقية أوسلو في ظل أللا توازن
ثالثا: بعد اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل بشكل كلي، الناجمة عن فاجعة العراق، أصبحنا إزاء إنعدام التوازن الاستراتيجي مكن من عقد اتفاقية سلام بين منظمة التحرير الفلسطينية، و الكيان الصهيوني لتفادي تداعيات الحرب على القضية الفلسطينية حسب حسابات قياداتها، بوجود المستوطن الجديد(أمريكا) والتخطيط للإقامة الدائمة بالمنطقة، من خلال استقراره في السعودية والكويت وقطر..... قبل سنة 2003 ومحاصرة العراق، ما فتح مجالات واسعة لمخططات جديدة تتغيا الانقضاض على الأمن الاستراتيجي لهذا الفضاء العربي الإسلامي، الغني بثرواته واحتياطاته،بشكل نهائي، وهي البيئة التي أتاحث لبعض الأنظمة العربية، وعلى رأسها النظام المصري، الاضطلاع بمهام قذرة، ووفرت له الثقة الزائدة في النفس.
التمدد الأمريكي في المنطقة بالحرب على أفغانستان و العراق
رابعا:في سنة2001 شنت أمريكا حربا على أفغانستان انتهت باحتلالها، وبعد سنتين دارت الدائرة في سنة 2003 على العراق تحت شعارات الحرب على الإرهاب والقاعدة والديكتاتورية وأسلحة الدمار الشامل، وهجمات شتنبر، ويهمنا هنا أيضا أدوار النظام المصري، فرغم الرفض العالمي لهذه الحرب الظالمة، الذي كان مساندا لهذه الحرب ضد بلد عربي إسلامي له مكانته الإستراتيجية فإن الشعب المصري بكل طوائفه كان غاضبا من هذا العدوان الجديد على دولة العراق وشعبه، وغاضبا من مواقف نظامه.
في هذه الحرب أيضا تطوع النظام المصري للضغط على دولة العراق ونظامها مطالبا الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بتقديم الاستقالة وإنقاذ الشعب العراقي وهوما لم يفعله صدام حسين،مع وجود الفارق في الوضعيتين،كل ذلك من أجل عيون الاحتلال الأمريكي لتعبيد الطريق أمامه من أجل احتلال العراق وشعبه وتكريس الهزيمة النفسية، التي غالبا ما تكون نتائجها عنيفة ووخيمة على الشعوب، في أحايين كثيرة، وأشد وطأة من الهزيمة العسكرية نفسها. وهي دعوة أمريكية رددها الرئيس المصري، رفضها الرئيس العراقي بقوة رابطا مصيره ببلاده وشعبه الذي تعرض لأخطار ماحقة، ولاحظنا كيف أن الشعب العراقي لم يخرج للاحتفال بقدوم المحتل اللهم جماعات محدودة جدا جاءت مع الاحتلال الأمريكي تجمعت حول تمثال صدام حسين من أجل إزالته،و الذي لاقى في آخر أيامه ربه شهيدا يقارع الاحتلال الأمريكي بشهامة نادرة نفدت إلى إحساس الأمة وخاطبت عقلها ما شكل أيقونة دينية وانتروبولوجية محفورة في وعي ولا وعي عموم الشعوب العربية, وتلك سخرية ومفارقات الأقدار حيث يمكن أن نتحدث عن الرئيس المصري المخلوع الذي لفظه شعبه، فأين هو هذا النوع من الخطاب الذي تدبجه الإدارة الأمريكية بخصوص أنظمة لا تروق لها.
تغطية النظام المصري للجرائم الأمريكية والإسرائيلية
خامسا: هكذا توالت الأحداث على المنطقة دون أدنى تحرك للنظام المصري الذي لا يوجد في قلب الأمة العربية أولم يرف له جفن أمام الانتهاكات المتكررة الماسة بالحقوق الإنسانية والأخلاقية للمواطن العربي سواء في العراق أو في غيره من البلدان من خلال ما جلبه الاحتلال الأمريكي، الذي أخذ النظام المصري على عاتقه مهمة تبشيرية تغطي جرائمه عوض إدانته ومقاومته، و ما ترتب عن ذلك من ويلات كارثية على دولة العراق وكيانه و ثروته وإنسانه، إضافة إلى القتل وانتهاك الأعراض وسجن أبو غريب و استعمال الأسلحة الكيماوية وكل أشكال الإرهاب المعاصرة. هذا إضافة إلى حجز و تسميم ياسر عرفات، وسط صمت مطبق للنظام المصري ومعه العربي، بل لم تنقطع الاتصالات و الزيارات الودية المتبادلة بين هذه الأطراف المصرية و الأمريكية و الصهيونية، ثم الحرب الصهيونية على لبنان سنة 2006، التي اصطف فيها النظام سياسيا و إعلاميا إلى جانب الكيان الصهيوني، بل زاد عليه بالهجوم على المقاومة اللبنانية ووصفها بالمغامرة قبل أن يفعل نفس الشيء مع الفلسطينيين في غزة عقب العدوان عليها، ومحاصرتها و تنفيذ كل الاملاءات الصهيونية الغرض منها خنق القطاع و تحويله إلى غيتو عنصري معزول عن العالم.
هذا هو النظام المصري،الذي انتقل بمصر، من مصر التي واجهت العدوان الثلاثي-إسرائيل،فرنسا،بريطانيا- سنة 1956 و تعرضت لعدوان آخر سنة 1967، امتصته بوقفة البلد المكابر، و انطلقت في حرب استنزافية،قبل أن يخوض الجيش المصري حربا تاريخية ضد الجيش الصهيوني سنة 1973 قبل أن تتدخل أمريكا لحرف المسار، إلى «مصر الخدومة» للاستراتيجيات الأجنبية، فلا غرو أن يصاب الكيان الصهيوني بالضجر و الدوار مما يجري،وهو الذي يصف هذا النظام بالكنز الاستراتيجي. من رحم هذه الأحداث التي تقدم صورة نمطية للوضع العربي كانت عناوينه هي تلك الأنظمة التي تتلقى التنويهات في كل مناسبة من قبل أمريكا، والتي تعتبرها أنظمة معتدلة ونموذجية، كانت تترعرع وتنمو صورة أخرى و نموذجا مضاد و مغاير، هو نمو طاقات الرفض ومقاومة الاحتلال، والذي جسدته المقاومة الوطنية العراقية، ففي العراق تم إرباك و إفشال و إقبار المشروع الأمريكي الذي وجد نفسه غارقا في المستنقع العراقي، ولو كان التاريخ يعود إلى الخلف لما تجرأت أمريكا على خوض هذه الحرب التي أدمت استراتيجياتها في المنطقة والعالم و هي الحروب التي لن تندمل بين عشية وضحاها، و بسبب ذلك بدأت أوراقها تتطاير من بين أصابعها، فالتصدي العراقي ومقاومته للمحتل وعدم توقيع نظامه أية وثيقة للاستسلام أو التواطؤ، أو التنازل عن الحقوق، فسح بابا للأمة العربية و الإسلامية كي تنهض من جديد، وهو ما تلقفته الشعوب العربية و الإسلامية بطريقة واعية أو لاواعية في مواجهة البازار السياسي العالمي بعد عقود من الضياع و التيه و التعثر، كل هذه المعطيات التي لجمت وطوقت المشروع الأمريكي
هي التي مكنت من تجاوز آثار الهزيمة النفسية على الشعوب وبذلك لم تنفع كل التحالفات في كبح جماح المقاومة لكافة أشكال الاحتلال والظلم والاضطهاد والاستبداد، وترسيم مخطط الشرق الأوسط الجديد وإعادة الخريطة العربية عبر تفكيك الدول و تقسيميها عقائديا و مذهبيا و عرقيا.
الرهانات والنتائج
ثورة مصر التي شاركت فيها جميع الفئات الاجتماعية، وقدمت شهداء من نخب المجتمع وأطره العليا لهم استقرار اجتماعي وآلتها الشباب، ليست ثورة جياع رغم عوامل الفقر المنتشرة، وإنما هي ثورة سياسية وحضارية كبرى، لن تقف نتائجها عند تخوم ضيقة، وبالتالي لا يمكن اختزالها وتقديمها باعتبارها صرخة من أجل «لقمة عيش» ليس إلا.
نستخلص مما سبق، أن مصر كانت مهربة ومحتجزة ومختطفة تاريخيا وسياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، ما أدى إلى تعفن النظام وتحلله وحينما تتباكى إسرائيل و المنظومة الغربية المعروفة بازدواجية مواقفها على النظام حبا فيه ،ذلك أن الأمر يتعلق بنوع من التأبين السياسي لإستراتيجيتها، بعد أن فقدت بوصلة القيادة، بانخراط الاحتياط الاستراتيجي المتمثل في الشعوب القادر على إنجاز التغيير والتحول في مواجهة السلط والاستبداد، والمغامرات الأجنبية.
تأسيسا عليه، فإن هذه الثورة ليست مصوبة نحو النظام في مصر فقط، الذي كان مجرد منفذ للسياسات الخارجية، حارسا لمصالح إسرائيل وأمريكا، وخادما لقبليتهما، وإنما تتخطى هذه الدرجة إذ إصابت الدول الأجنبية في مقتل، وقبل هذه الثورة شاهدنا كيف أن المشروع الأمريكي، بعد بتر أذرعه وقص أجنحته في العراق، بدأ يتراقص ويتصاعد أنينه، وإذا كانت كل الحروب الكبرى تفرز العلاقات وخرائط ومواقع جديدة للدول والأنظمة والعلاقات الدولية، فإن عجز وأزمة المشروع الأمريكي أدى إلى تراجع مشاريعها ومخططاتها الكبرى التي أعلنتها، أين نحن من مشروع الشرق الأوسط والديمقراطية حسب المفهوم الأمريكي، والقضاء على الإرهاب عقب غزو العراق بمعنى آخر فإن الأوضاع والمعطيات لم تسر وفق ما تم التخطيط له، ولذلك انقلبت ضد أصحابها، وبالتالي لم تكن النتائج متناغمة ومتجاوبة مع الرهانات الدولية، أما الدول التي ساندت العراق ولم تفتح فضاءاتها للعدوان مثل تركيا وسوريا، فإنها خرجت أكثر قوة وتماسكا.فكان أن ولدت هذه الثورة الربح السياسي للمنطقة بعد تلك الخسارات الأمريكية المتتالية هي ثورة إذن لمحو صور استلذاذ المهانة والذل،
وترسيخ صور الكرامة والعزة، من أجل أن تستعيد مصر أدوارها التاريخية وتستنهض مهامها، إنها مصالحة مع الذات والموقع الحضاري لمصر، الغلبة فيه للمعطيات التاريخية والجغرافية، إنه إنذار التاريخ ومكره.
وعليه، فإن كل الرهانات، التي سبقت هذه الثورة سقطت بما أتاحته هذه الأسباب والعوامل الحقيقية والعميقة المرتبطة بالمحيط والسياق العام بنسيجه وعلائقه العامة، سواء ما تعلق بالتطبيع الثقافي والاجتماعي مع الكيان الصهيوني الذي فشل على أرض الواقع، ولم يجد له قنوات ملموسة، أو أندحا ر ا لغزو الأمريكي في العراق وما تركه من نتائج على الاقتصاد الأمريكي والقوة العسكرية لأمريكا، والقيم والعلاقات وصورة أمريكا الديمقراطية المزيفة، وهو ما ينضاف إلى العوامل الداخلية المرتبطة بالأوضاع المصرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطبيعة بنية النظام الذي عزل نفسه عن قضايا شعبه، وبذلك فإنه صنع بذور تدمير كيانه بانغماسه وارتمائه في أحضان المشاريع الأجنبية وإملاءات الخارج، حيث تحول إلى وسيط غير محايد، ليس إلا. و الحال أن مصر لا يمكن أن تكون إلا طرفا جوهريا في معادلات المنطقة واستراتيجياتها، أما أن تكون سفيرا للرؤية و الموقف الإسرائيلي والأمريكي، فإن ذلك لا يتماشى مع موقعها الطبيعي، بعد أن أصبح النظام متخصصا في عرض الخدمات وإسداء النصائح لمن لا يدور في منظومة المشروع الأمريكي-الصهيوني، وكل الاستثمارات السياسية لهذا النظام الذي ادعى اليوم أنه يرفض الإملاءات، وأن الثورة من صنع صانع أجنبي. تندرج في هذه الحلقة، دون أن يتغير النظام أو يجدد نفسه، أو يكون قادرا على الإنصات ومواكبة التحولات والتغيرات التي كانت تمور في المجتمع المصري بكافة شرائحه وفئاته.
هكذا أضفى الرئيس المرفوض على نفسه هالة لم يستطع النزول من أسوارها، وتسللت إليه كل أشكال الغرور معتقدا أنه حكيم فوق الناس.
ما يمكن أن نلتقطه من قراءتنا وتحليلنا هذا، أن بنية هذا النظام وأركانه ذات خصيصة تحكمية قامت على استيعاب طرائق ووسائل الصعود والترقي درجات ومستويات سياسية ومالية وسلطوية إلى الأعلى وتجريف كل من يقف في طريقها وحولهاَََََََََ، دون اكتساب جسور النزول بلياقة عالية عبر التمرن والترويض النفسي والسياسي والأمني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ثورة ضد استلذاذ المهانة د.عبد الرحمان غانمي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ابن امسيك للثقافة :: المقال-
انتقل الى: